العيني

130

عمدة القاري

يحتاج إلى الغسل لظاهر رواية مسلم . ولم يغسله ، وعن هذا قال بعضهم بطهارة بوله . وقال النووي : الخلاف في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي ، ولا خلاف في نجاسته ، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي ، وأنه لم يخالف فيه إلاَّ داود . وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ، ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا : بول الصبي طاهر وينضح ، فحكايته باطلة قطعاً . قلت : هذا إنكار من غير برهان ، ولم ينقل هذا عن الشافعي وحده ، بل نقل عن مالك أيضاً أن بول الصغير الذي لا يطعم طاهر ، وكذا نقل عن الأوزاعي وداود الظاهري ، ثم قال النووي وكيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب : وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا : الصحيح المشهور المختار أنه يكفي النضح في بول الصبي ولا يكفي في بول الجارية ، بل لا بد من غسله كغيره من النجاسات . والثاني : أنه يكفي النضح فيهما . والثالث : لا يكفي النضح فيهما ، وهما شاذان ضعيفان . وممن قال بالفرق : علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن وهب من أصحاب مالك ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين . وروي عن أبي حنيفة ، رحمه الله تعالى ، قلت : علم من ذلك أن الصحيح من مذهب الشافعي هو التفريق بين حكم بول الصبي وبول الصبية قبل أن يأكل الطعام ، وأنه يدل على أن بول الصبي طاهر ، وبول الصبية نجس ، وبه قال أحمد وإسحق وأبو ثور . واحتجوا على ذلك بأحاديث منها : حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، المذكور . لأن اتباع الماء البول هو النضح دون الغسل ، ولهذا صرح في رواية مسلم : ( ولم يغسله ) ، وعدم الغسل دل على طهارة بول الصبي . ومنها : حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرضيع : ( يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام ) ، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة . ومنها : حديث لبابة بنت الحارث ، أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : ( كان الحسين بن علي ، رضي الله تعالى عنهما ، في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال عليه ، فقلت : إلبس ثوباً وأعطني إزارك حتى أغسله . قال : إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر ) ، أخرجه أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة في ( صحيحه ) والكبحي في ( سننه ) والبيهقي أيضاً في ( سننه ) من وجوه كثيرة ، والطحاوي أيضاً من وجهين . ومنها : حديث أم قيس على ما يأتي عن قريب إن شاء الله . ومنها : حديث زينب بنت جحش ، رضي الله تعالى عنها ، أخرجه الطبراني في ( الكبير ) مطولاً ، وفيه : ( أنه يصب من الغلام ويغسل من الجارية ) ، وفي إسناده : ليث بن أبي سليم وهو ضعيف . ومنها : حديث أبي السمح ، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة قال : ( كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم . . . . ) الحديث ، وفيه : ( يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام ) ، وأبو السمح ، بفتح السين المهملة وسكون الميم وفي آخره حاء مهملة ، ولا يعرف له اسم ولا يعرف له غير هذا الحديث ، كذا قاله أبو زرعة الرازي ، وقيل : اسمه إياد . ومنها : حديث عبد الله بن عمرو ، أخرجه الطبراني في ( الأوسط ) عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصبي فبال عليه ، فنضحه وأتي بجارية فبالت عليه فغسله ) . ومنها : حديث ابن عباس ، أخرجه الدارقطني عنه ، قال : ( أصاب النبي صلى الله عليه وسلم أو ، جلده ، بول صبي وهو صغير ، فصب عليه من الماء بقدر البول ) . ومنها : حديث أنس بن مالك أخرجه الطبراني في ( الكبير ) مطولاً ، وفيه : ( يصب على بول الغلام ويغسل بول الجارية ) . وفي إسناده نافع بن هرمز ، وأجمعوا على ضعفه . ومنها : حديث أبي أمامة ، أخرجه أيضا في ( الكبير ) : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بالحسين فجعل يقبله ، فبال عليه ، فذهبوا ليتناولوه فقال : ذروة ، فتركه حتى فرغ من بوله ) . وفي إسناده عمرو بن معدان ، وأجمعوا على ضعفه . ومنها : حديث أم سلمة ، رضي الله عنها ، عنده أيضا في ( الأوسط ) أن الحسن ، أو الحسين ، بال على بطن النبي صلى الله عليه وسلم فقال ، عليه الصلاة والسلام : ( لا تزرموا ابني أو ، لا تستعجلوه ، فتركوه حتى قضى بوله ، فدعا بماء فصبه عليه ) . ومنها : حديث أم كرز ، أخرجه ابن ماجة عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل ) ، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك أنه لا يفرق بين بول الصغير والصغيرة في نجاسته ، وجعلوهما سواء في وجوب غسله منهما ، وهو مذهب إبراهيم النخعي وسعيد ابن المسيب والحسن بن حي والثوري . وأجابوا عن ذلك بأن النضح هو صب الماء لأن العرب تسمي ذلك نضحاً ، وقد يذكر ويراد به الغسل ، وكذلك الرش يذكر ويراد به الغسل . أما الأول : فيدل عليه ما رواه أبو داود وغيره : ( عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، أمره أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه ؟ قال : علي : فأن